ابن قيم الجوزية
106
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
بعبادة الأحجار والأشجار والموتى والأوثان . ومثل أهل البدع ، تكبروا عن تقليد النصوص ، وتلقي الهدى من مشكاتها . ورضوا لأنفسهم بتقليد أقوال مخالفة للفطرة والعقل والشرع . وظنوها قواطع عقلية . وقدموها على نصوص الأنبياء . وهي في الحقيقة شبهات مخالفة للسمع والعقل . ومثل الجهمية ، نزهوا الرب عن عرشه . وجعلوه في أجواف البيوت والحوانيت والحمامات ، وقالوا : هو في كل مكان بذاته . ونزهوه عن صفات كماله ونعوت جلاله . حذرا - بزعمهم - من التشبيه . فشبهوه بالجامدات الناقصة الخسيسة التي لا تتكلم ، ولا سمع لها ولا بصر ، ولا علم ولا حياة ، بل شبهوه بالمعدومات الممتنع وجودها . دحض أضاليل المعطلة ومثل المعطلة الذين قالوا : ما فوق العرش إلا العدم . وليس فوق العرش رب يعبد . ولا إله يصلى له ويسجد . ولا ترتفع الأيدي إليه . ولا رفع المسيح إليه . ولا تعرج الملائكة والروح إليه . ولا أسري برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليه . ولا دنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى . ولا ينزل من عنده شيء . ولا يصعد إليه شيء . ولا يراه أهل الجنة من فوقهم يوم القيامة . واستواؤه على عرشه لا حقيقة له . بل على المجاز الذي يصح نفيه . وعلوه فوق خلقه بالرتبة والشرف ، لا بالذات . وكذلك فوقيته فوقية قهر ، لا فوقية ذات . فنزهوه عن كمال علوه وفوقيته . ووصفوه بما ساووا به بينه وبين العدم والمستحيل . فقالوا : لا هو داخل العلم ، ولا خارجه ، ولا متصل به ، ولا منفصل عنه ، ولا محايث له ، ولا مباين له ، ولا هو فينا ، ولا خارج عنا . ومعلوم أنه لو قيل لأحدهم : صف لنا العدم . لوصفه بهذا بعينه . وانطباق هذا السلب على العدم المحض أقرب إلى العقول والفطر من انطباقه على رب العالمين ، الذي ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته . بل هو بائن من خلقه ، مستو على عرشه ، عال على كل شيء . وفوق كل شيء . والقصد : أن كل من أعرض عن شيء من الحق وجحده ، وقع في باطل مقابل لما أعرض عنه من الحق وجحده . ولا بد ، حتى في الأعمال . من رغب عن العمل لوجه اللّه وحده ابتلاه اللّه بالعمل لوجوه الخلق . فرغب عن العمل لمن ضرّه ونفعه وموته وحياته وسعادته بيده . فابتلي بالعمل لمن لا يملك له شيئا من ذلك : وكذلك من رغب عن إنفاق ماله في طاعة اللّه ابتلي بإنفاقه لغير اللّه وهو راغم ، وكذلك من رغب عن التعب للّه ابتلي بالتعب في خدمة الخلق ولا بد . وكذلك من رغب عن الهدى بالوحي ، ابتلي بكناسة الآراء وزبالة الأذهان ، ووسخ الأفكار . فليتأمل من يريد نصح نفسه وسعادتها وفلاحها هذا الموضع في نفسه وفي غيره . ولا ريب أن العامة - مع غفلتهم وشهواتهم - أصح إيمانا من هؤلاء إذا لم يعطلوا الأمر والنهي . فإن إيمانا مع تفرقة وغفلة ، خير من شهود وجمعية يصحبها فساد الإيمان ، والانسلاخ منه .